مقالات رأي

كاتبة مهاجرة: عندما يدّعي رئيس الوزراء “أن الهجرة إلى السويد أصبحت عبئًا|

رأي نشرته صحيفة أفتونبلادت – Aftonbladet، انتقدت خلاله كاتبة من أصول مهاجرة الخطاب السياسي الذي يصوّر الهجرة باعتبارها عبئاً على السويد، مؤكدة أن هذا الطرح يتجاهل الدور الذي يؤديه المهاجرون في قطاعات أساسية مثل الرعاية الصحية والبحث العلمي والاقتصاد والرياضة والثقافة.

رحلة هروب بدأت تحت القصف

افتتحت الكاتبة مقالها باستعادة مشاهد من رحلة لجوئها عندما كانت في السابعة من عمرها. وصفت البحر المضطرب، وارتفاع الصراخ داخل القارب الصغير، وشعورها بأن الهواء ينفد، بينما كانت ذكريات القصف فوق منزلها تطاردها. وقالت إنها في ذلك الوقت لم تكن تريد الموت تحت القنابل، لكنها لم تكن تريد أيضاً أن تغرق في البحر.

ونجت الطفلة من الرحلة، كما نجت من العطش خلال مسيرة استمرت 24 ساعة عبر الجبال والمنحدرات الصخرية، ومن الظروف القاسية التي عاشتها لاحقاً داخل مخيم في المجر – Ungern.




لكنها أوضحت أن مئات الأشخاص لم ينجوا من الطريق نفسه. بعضهم سقط من فوق الصخور، وقارب كان يسير أمامهم غرق، بينما فقد آخرون حياتهم بسبب العطش أو بعدما انهاروا نفسياً عقب فقدان أشخاص قريبين منهم. وتقول إن رؤية هذه المشاهد كانت ثقيلة على طفلة في السابعة، ولا تزال صعبة عليها حتى اليوم بعدما أصبحت في الثامنة عشرة.

888888888888888888888888888 1
في الصورة كاتبة المقال جينا السواف ، البالغة من العمر 18 عامًا، والتي تخرجت مؤخرًا من برنامج العلوم الطبيعية في مدرسة كاتدرالسكولان في فاكسيو.

الأمان الذي وجدته في السويد

بعد وصولها إلى السويد، شعرت للمرة الأولى بأمان لم تعرفه من قبل. أصبحت قادرة على النوم تحت سماء لا تحلق فيها الطائرات الحربية، والاستيقاظ من دون الخوف من احتمال عدم عودة والدها إلى المنزل.

وترى أن الشخص الذي لم يعش تجربة الحرب أو اللجوء قد يجد من السهل التشكيك في قدرات المهاجرين وكفاءتهم، من دون أن يعرف ما مرّ به كل فرد منهم قبل وصوله إلى السويد.

كما يصبح من السهل، بحسب رأيها، تحميل المهاجرين مسؤولية مشكلات متعددة في المجتمع، مثل الجريمة والبطالة والعزل الاجتماعي Segregation.



انتقاد تصريحات أولف كريسترشون

وجّهت الكاتبة انتقاداً إلى رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون – Ulf Kristersson، بعد قوله إن من الواضح أن الهجرة أصبحت عبئاً على السويد. وترى أن مثل هذه التصريحات تتجاهل ما قدمه المهاجرون فعلياً للدولة والمجتمع، وما يقومون به يومياً داخل المستشفيات والشركات والجامعات والمؤسسات العامة.

وأكدت أن الحديث عن الهجرة بوصفها عبئاً عاماً يلغي الاختلافات الكبيرة بين الأفراد، ويتعامل مع ملايين الأشخاص وكأنهم مجموعة واحدة لها السمات نفسها.

المهاجرون في قطاع الرعاية الصحية

استشهدت الكاتبة بوجود نسبة كبيرة من العاملين المولودين خارج السويد داخل قطاع الرعاية الصحية. وبحسب الأرقام التي أوردتها، فإن واحداً من كل ثلاثة أطباء تقريباً من مواليد الخارج، كما أن نحو 46% من أطباء الأسنان في السويد مولودون خارج البلاد.وترى أن الرعاية الصحية السويدية – Svensk sjukvård لم تكن لتتمكن من أداء مهامها بالمستوى الحالي من دون هذه الكفاءات.

ويشمل ذلك الأطباء وأطباء الأسنان والممرضين ومساعدي التمريض وغيرهم من العاملين الذين يقدمون خدماتهم داخل المستشفيات والمراكز الصحية Vårdcentraler ودور رعاية كبار السن.



شركات يديرها أشخاص من أصول أجنبية

تحدث المقال أيضاً عن عشرات الآلاف من الشركات التي يديرها أشخاص من خلفيات أجنبية في السويد.وبحسب الكاتبة، تحقق الشركات التي يقودها أبناء الجيل الثاني من المهاجرين في حالات كثيرة معدلات نمو أسرع من شركات سويدية مشابهة.

ويعني ذلك أن مساهمة المهاجرين لا تقتصر على العمل كموظفين، بل تشمل أيضاً تأسيس الشركات، وخلق فرص العمل، ودفع الضرائب، والحصول على قروض الشركات – Företagslån، والاستثمار، واستخدام خدمات التأمين التجاري – Företagsförsäkring والمحاسبة والخدمات المصرفية.

كما يعمل أشخاص من أصول مهاجرة داخل البرلمان السويدي، وفي الجامعات ومراكز البحث، ويمثلون السويد في الرياضة والثقافة والفنون.



أسماء بارزة في الرياضة والثقافة

استعرضت الكاتبة عدداً من الشخصيات التي ترى أنها تمثل أمثلة واضحة على إسهامات أصحاب الخلفيات المهاجرة.وذكرت لاعب كرة القدم زلاتان إبراهيموفيتش – Zlatan Ibrahimović، الهداف التاريخي للمنتخب السويدي، وهو ابن لأب بوسني وأم كرواتية.

كما أشارت إلى مشاركة السويد في كأس العالم 2026، وذكرت أن ياسين عياري – Yasin Ayari، ابن لأب تونسي وأم مغربية، وأنتوني إيلانغا – Anthony Elanga، نجل لاعب كرة قدم كاميروني، سجلا هدفين لكل منهما، وأسهمَا في وصول المنتخب السويدي إلى دور الستة عشر، وفق ما ورد في مقال الرأي.

وفي الموسيقى، ذكرت المغنية لورين – Loreen، ذات الجذور المغربية، التي فازت بمسابقة يوروفيجن لصالح السويد بأغنية “Tattoo”. كما أشارت إلى العداء مصطفى محمد – Mustafa Mohamed الذي سجل أرقاماً قياسية سويدية في سباقات المسافات الطويلة.



مهاجرون في البحث العلمي والطب

سلطت الكاتبة الضوء كذلك على مساهمات مهاجرين في المجال الأكاديمي والطبي. ومن بين الأسماء التي ذكرتها الباحث أمير خورام مانيش – Amir Khorram-Manesh، الذي يعمل في أبحاث طب الكوارث بجامعة غوتنبرغ – Göteborgs universitet في مدينة غوتنبرغ – Göteborg.

كما أشارت إلى الطبيبتين سارا رزق – Sara Rizk وعطية الزعبي – Atiya Alzouby، اللتين وصلتا إلى السويد بعد فرارهما من الحرب في سوريا وهما طفلتان، ثم أصبحتا طبيبتين.

وترى الكاتبة أن هذه الأمثلة توضح أن كثيرين ممن وصلوا لاجئين تحولوا لاحقاً إلى أطباء وباحثين ورياضيين وسياسيين، ويسهمون في خدمة المجتمع الذي استقبلهم.

أكثر من ربع سكان السويد “مهاجرين”

بحسب المقال، يشكل الأشخاص المصنفون ضمن فئة المهاجرين أو ذوي الخلفية الأجنبية أكثر بقليل من ربع سكان السويد. وترى الكاتبة أن الحديث عن هذه الفئة وكأنها مجموعة منفصلة أو مشكلة واحدة يتجاهل حجمها وتنوعها، واختلاف مستويات التعليم والعمل والاندماج والظروف الاجتماعية بين أفرادها.



“لم آتِ إلى هنا في إجازة”!

أكدت صاحبة المقال أنها لم تختر مغادرة بلدها من أجل السياحة أو البحث عن حياة سهلة، بل اضطرت إلى الهروب حتى تنجو. وقالت إنها شاهدت الموت مرات كثيرة قبل وصولها إلى السويد، وقبل أن يراها الآخرون أو يتحدثوا معها أو يصدروا حكماً بشأنها. كان هدفها، كما توضح، أن تعيش كإنسانة عادية تحت سقف آمن وعلى أرض مستقرة، بعيداً عن القصف والغرق والخوف المستمر.

شعور بضرورة رد الجميل للسويد

ترى الكاتبة أن آلاف المهاجرين يواصلون الكفاح يومياً، ليس فقط من أجل البقاء، بل أيضاً بسبب شعورهم بوجود دين معنوي تجاه البلد الذي استقبلهم ومنحهم الأمان. وتقول إن كثيرين يحاولون رد الجميل من خلال الدراسة والعمل ودفع الضرائب والمشاركة في المجتمع. كما يسعون إلى إثبات قدرتهم على أن يصبحوا علماء وأطباء ورياضيين وسياسيين، وأن يكون لهم أثر إيجابي في السويد.



الطلب الأساسي: عاملونا كأفراد!

اختتمت الكاتبة مقالها بمطلب واضح: أن يُحكم على المهاجرين كأفراد، لا باعتبارهم كتلة واحدة. وترى أنه لا ينبغي أن يُطلب من كل مهاجر باستمرار إثبات أنه يستحق العيش في السويد بسبب أخطاء ارتكبها أشخاص آخرون ينتمون إلى الفئة الواسعة نفسها. كما طالبت بمنح المهاجرين فرصة الاستمرار في الإسهام والعمل من دون أن يضطروا في كل مرة إلى الدفاع عن وجودهم أو إثبات ولائهم للمجتمع.

وخلاصة موقفها أن المهاجر قد يكون طبيباً أو باحثاً أو صاحب شركة أو رياضياً أو عاملاً عادياً، ولذلك يجب تقييمه وفق أفعاله ومساهمته الفردية، لا وفق أصله أو انتمائه إلى مجموعة سكانية واسعة.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى